محمد ابراهيم شادي

91

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )

الحروف وأصحها جرسا فإذا كانتا هما أو إحداهما في بناء حسن البناء لنصاعتهما " « 1 » . ثم تردد حرف الراء ابتداء في ( وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ ) فقد تردد في هذه الكلمات الثلاث المتجاورة وتردد معه حرف النون مرتين ، وذلك لأن الراء والنون من حروف الذلاقة التي تسهل في النطق على اللسان « 2 » هذا فضلا عن الإيقاع الذي تشعر به في ترديد وقراءة هذه الآية ، وقد نبه إليه بعض العلماء على أنه كإيقاعات الشعر لا سيما بحر الوافر ، ولكن أيسر رد على هذا أن القرآن هنا لا يعد شعرا لأن بحر الوافر من ست تفعيلات لكن هذه الآية جاءت من سبع تفعيلات ، فليست ببيت من الشعر ولكنها قرآن صادف إيقاعه إيقاعا من إيقاعات الشعر من شدة الانسجام ، بل أن الإيقاع الداخلي في الآية أبلغ وأروع وأسلس لما سبق أن رأيناه من تردد حروف معينة يؤدى إلى ترددها إلى شيوع الخفة واليسر والسهولة . والغاية من كل هذا هو إشعار الأذن التي ترسل ذلك الإشعار للقلب بأن اللّه سبحانه يسر بلطفه ذلك القرآن وخلق في النفوس قبولا له وارتياحا لسماعه ، وهذا مناسب جدا لمعنى الآية . ونخلص من هذا إلى أن أصوات حروف القرآن تتوالى بين الحل والترحال أي بين الحلق والشفتين في ذهاب وإياب منتظم يستدعى القبول ويستفز الطرب والارتياح النفسي ، وقد نجد تركيزا على إحدى المنطقتين أي منطقة الحلق أو منطقة الشفتين لسر من الأسرار يرنو لأولى الأبصار عند التأمل المخبت .

--> ( 1 ) نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز للرازي 120 ، 121 . ( 2 ) انظر المصدر نفسه 120 ، ويلفتنا أن الراء التي ترددت هنا مفخمة في الكلمات الثلاث لأنها إما مفتوحة أو ساكنة وقبلها ضم ، وهذا أي اجتماع خفة الحرف مع تفخيمه يسهم في الإشعار بالمقصود هنا من تفخيم شأن الكتاب العزيز الذي يسر اللّه قراءته وتلاوته .